الشيخ محمد الصادقي الطهراني

275

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وأحرى . « فلما نسوا » الذين عدوا في السبت « ما ذكروا به » من عظة الواعظين ، كما « لما نسوا » التاركون للنهي عن السوء ، الناهين عن ذلك النهي سواهم « ما ذكروا به » من « معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون » - « أنجينا الذين ينهون عن السوء » سواء الأولين ، أم التاركين للنهي المتعظين بالعظة ، فأصبحوا معهم من الناهين « وأخذ الذين ظلموا » وهم كلا العادين في السبت ، والتاركين للنهي عنه ، نسياناً معمداً لتلك العظة « بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون » . فيا لذكرى الرب من حامية حائطة على الإنسان النسيان ، ولو أننا ذكرنا وعلمنا واقع حالاتنا المزرية المخجلة لما رفعنا رؤوسنا إختجالًا ، وكما يقول إمام الذاكرين للغافلين : « ولو تعلمون ما أعلم مما طُوي عنكم غيبُه إذاً لخرجتم إلى الصُعُدات تبكون على أعمالكم ، وتلتدمون علي أنفسكم ، ولتركتم أموالكم لا حارس لها ولا خالِفَ عليها ، ولَهمت كلّ امرىءٍ منهم نفسُه لا يلتفت إلى غيرها ، ولكنكم نسيتم ما ذُكِّرتم ، وأمنتم ما حذِّرتم ، فتاه عنكم رأيكم ، وتشتت عليكم أمرُكم . . » ( من الخطبة 115 ) . ولأن العذاب البئيس دركات حسب دركات السوء والفسق ، فقد اختص العاتون عما نهوا عنه بأتعسه : « فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ » « 1 » . فقد نجت فرقه وهي الناهية عن السوء أولًا أو أخيراً ، ثم الذين ظلموا عاتين أم تاركين لنهيهم عن السوء أخذهم عذاب بئيس ، وقد أجمل عن عذاب الآخرين تصريحاً بعذاب الأولين أن : « قلنا لهم كونوا قردة خاسئين » . أجل فقد « افترق القوم ثلاث فرق : فرقة نهت واعتزلت ، وفرقة أقامت ولم تقارف الذنوب ، وفرقة قارفت الذنوب ، فلم ينجو من العذاب إلا من نهى . . » . « 2 » فهم إذاً « صنف أئتمروا وأمروا فنجوا ، وصنف أئتمروا ولم يأمروا فمسخواً ذراً وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا » « 3 » وهؤلاء الآخرون هم الذين « قلنا لهم كونوا قردة خاسئين »

--> ( 1 ) . 7 : 166 ( 2 ) . نور الثقلين 2 : 90 عن تفسير العياشي عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام في الآية قال : أفترق . . . قال قلت لأبي جعفر عليه السلام : ما صنع بالذين أقاموا ولم يقارفوا الذنوب ؟ قال : بلغني أنهم صاروا ذراً ( 3 ) . المصدر عن روضة الكافي عن أبي عبداللَّه عليه السلام في الآية قال : أقول : الذين أئتمروا وأمروا هم الذي لم‌يعدوا ولم يسكتوا فنجوا ، والذين أئتمروا ولم يأمروا هم الذين سكتوا ، والآخرون الذين لم يأتمروا ولم يأمروا هم الذين عادوا